السعودية… حين تغيّر الدولة قواعد الردع

  • بتاريخ : يوليو 31, 2026 - 7:04 ص
  • بقلم: عبدالمحسن محمد الحارثي

    في السياسة ؛ هناك لحظاتٌ لا تُقاس بعدد الصواريخ التي أُطلقت، بل بالأفكار التي سقطت معها.
    وما شهدته المنطقة ليس مجرد ردٍّ عسكري، بل سقوطٌ لفكرةٍ ظلت تراهن على أن السعودية ستبقى تدفع ثمن صبرها، وأن حكمتها يمكن أن تُقرأ على أنها تردد، وأن حرصها على استقرار المنطقة قد يمنح المعتدي مساحةً إضافية للمغامرة.

    لقد أخطأ أصحاب هذا الرهان.

    فالسعودية، منذ تأسيسها ؛ لم تكن دولةً تبحث عن الحروب، بل كانت كل حروبها دفاعًا عن الأرض، أو الإنسان، أو الأمن، أو الاستقرار.
    وكانت تؤمن أن السلام ليس شعارًا يُرفع، بل مشروعًا تُبذل له الجهود، وأن حسن الجوار قيمةٌ حضارية قبل أن يكون التزامًا سياسيًا.
    ولهذا ؛ استنفدت الحوار، ومدّت الجسور، وأغلقت أبواب الفتنة كلما استطاعت.

    لكن التاريخ يعلمنا أن السلام لا يحرسه الحالمون وحدهم، بل تحرسه أيضًا الدول القادرة على حماية حدوده.

    يقول الفيلسوف الروماني شيشرون: “إذا أردت السلام فاستعد للحرب”.
    وليس المقصود تمجيد الحرب ؛ وإنما بناء قوةٍ تجعل الحرب أقل احتمالًا. فالقوة الرادعة ليست نقيض السلام، بل كثيرًا ما تكون شرطًا من شروطه.

    وحين تتحول أراضي الآخرين إلى منصات تنطلق منها الصواريخ والطائرات المسيّرة ؛ فإن القضية لا تعود مرتبطة بالجغرافيا، بل بالمسؤولية.
    فالدولة ذات السيادة لا يمكن أن تقبل أن يصبح أمنها رهينةً لوكلاء، أو أن تتحول حدودها إلى ميدان اختبار لصبرها.

    لقد رسمت المملكة، بهذا الموقف، معادلةً جديدة عنوانها: أن الاعتداء لم يعد يواجه بالإدانة وحدها، ولا بالاعتراض وحده، وإنما بمنع تكراره من منبعه، وفق ما تقتضيه حماية السيادة، وفي إطار ما تقرره الدولة وحقها المشروع في الدفاع عن أمنها.

    ولعل أهم ما في هذا التحول أنه لم يكن انفعالًا، بل قرارًا.
    فالقرارات الانفعالية تُشعل الأزمات، أما القرارات السيادية فتؤسس لمعادلاتٍ جديدة.
    والفرق بينهما هو الفرق بين دولةٍ تقود الأحداث، وأخرى تكتفي بملاحقتها.

    لقد أثبتت المملكة، عبر عقود، أنها من أكثر الدول حرصًا على استقرار المنطقة، وأنها كانت دائمًا صوت الاعتدال حين تعلو أصوات التصعيد.
    لكن الاعتدال لا يعني التفريط، والحكمة لا تعني التنازل، والصبر ليس تفويضًا مفتوحًا للمعتدي كي يكرر فعلته.

    قال المفكر الفرنسي مونتسكيو: “السلام ثمرة القوة”.
    وما من دولةٍ تحافظ على سلامها إذا فقدت قدرتها على ردع من يهدده.
    ومن هنا ؛ فإن الرسالة لم تكن موجهة إلى جهةٍ بعينها، بل إلى كل من يظن أن أمن المملكة يمكن أن يكون ساحةً للمساومة، أو أن سيادتها قابلة للاختبار.

    إن المملكة، وهي تقود مشروعًا حضاريًا هو الأكبر في تاريخها الحديث، لا يمكن أن تسمح بأن تُبتز أمنًا وهي تبني المستقبل، أو أن تُشغل بالصواريخ وهي تنشئ المدن، أو أن تُعاقَب على اختيارها السلام.

    لقد تغيرت قواعد الردع.

    فمن يطلق النار لم يعد يملك وحده حق اختيار زمان المواجهة ومكانها، ومن يهدد أمن المملكة لم يعد يستطيع أن يختبئ خلف المسافات أو الوكلاء أو التعقيدات السياسية.

    إنها ليست لغة الحرب، بل لغة الدولة؛ الدولة التي تعرف قيمة السلام، ولذلك تعرف أيضًا كيف تحميه.

    وهكذا تُكتب لحظات التحول الكبرى: ليس حين تتغير الخرائط، بل حين تتغير حسابات الخصوم، ويدركون أن السعودية لا تبدأ العدوان، لكنها إذا قررت حماية سيادتها، فإنها تفعل ذلك بعقل الدولة، وحزم القيادة، وميزان العدالة.