الذوق ليس رفاهية… بل سيرة ذاتية

  • بتاريخ : يناير 26, 2026 - 2:21 م
  • بقلم: سلافة سمباوه

    الاشخاص الراقون لا يحتاجون إلى تعريف أنفسهم، فحضورهم يسبق أسماءهم، وتفاصيلهم الصغيرة تقول كل ما لا يقولونه بالكلمات. يظهر الرقي في اللباس قبل ثمنه، وفي نظافة المظهر قبل لفت النظر، في رائحة الجسد، في طريقة المشي، في نبرة الصوت، وفي اختيار الكلمات حين يكون الصمت أبلغ من أي حديث.

    فالرقي ليس استعراضًا ولا محاولة للفت الانتباه، بل هو انسجام داخلي ينعكس خارجيًا بهدوء واتزان. يتجلى في طريقة الجلوس في الأماكن العامة، في احترام المساحة الخاصة، في خفض الصوت، في نظافة السيارة، في ترتيب الأغراض، وفي التعامل اللطيف مع الآخرين. كلها إشارات على عقلٍ يعرف حدوده، ونفسٍ لا تحتاج أن تفرض وجودها بالفوضى أو الضجيج.

    حتى الأفكار لها رائحة، والألفاظ لها وزن، والسلوك اليومي يكشف مستوى الوعي أكثر من أي خطاب منمّق. فالإنسان يُعرَف من تصرفاته البسيطة قبل مواقفه الكبرى، ومن تعامله مع التفاصيل قبل ادعائه القيم والمبادئ.

    الاهتمام بالصحة، وبالنفس، وبالعقل، وبالروح ليس ترفًا ولا موضة عابرة، بل هو انعكاس لاحترام الذات. من يحترم نفسه لا يُهمل جسده، ولا يستهين بنفسيته، ولا يسمح لفوضاه أن تتسرّب إلى الآخرين. لذلك لا يثير الدهشة أن نرى هذا الاتساق ينعكس على شركاء حياتهم، وعلى أبنائهم، وعلى طريقة تعاملهم مع أهلهم. فالرقي معدٍ، تمامًا كما أن الإهمال معدٍ.

    نفسيًا، هذا السلوك لا يولد فجأة، بل تمتد جذوره إلى الطفولة. فالطفل الذي ينشأ في بيئة تقدّر النظام، وتربط النظافة بالكرامة لا بالخوف، وتغرس قيمة السلوك لا المظاهر، يكبر وهو يرى التفاصيل امتدادًا طبيعيًا لهويته. أما من تربّى على الفوضى أو الإهمال، أو على فكرة أن الشكل لا يعني شيئًا، فيحمل ذلك معه إلى علاقاته، ومساحاته، وحتى إلى أفكاره.

    ويشير علم النفس إلى أن طريقة تعامل الإنسان مع التفاصيل اليومية تعكس صورته الداخلية عن ذاته. فمن يرى نفسه جديرًا بالاحترام يتصرف على هذا الأساس دون ضجيج، بينما من يشعر بنقص داخلي يعوّض غالبًا بالادعاء، أو برفع الصوت، أو بالاستهانة بكل ما يذكّره بالالتزام والانضباط.

    الاستفزاز الحقيقي أن الرقي لا يُشترى ولا يمكن تمثيله طويلًا. فلا تصنعه ماركة عالمية، ولا سيارة فارهة، ولا كلمات منمّقة. إنه أسلوب حياة متكامل، والتفاصيل الصغيرة لا تكذب. فهي التي تفضح الفوضى مهما حاول صاحبها تغليفها، وهي التي تكشف الاتزان حتى في أبسط الأشياء.

    وفي النهاية، من يظن أن الرقي مجرد مظهر خارجي لم يفهم الفكرة كاملة. فالرقي موقف داخلي ينعكس على الجسد، والسلوك، والعلاقات. ومن لا يحتمل الانتباه للتفاصيل، غالبًا لا يحتمل مواجهة نفسه.