دور مدير التطوير في مواءمة الأداء مع الرؤية

  • بتاريخ : يناير 20, 2026 - 12:26 م
  • بقلم/ أ. ولاء بنت علي الحكمي

    قبل عدة أشهر، جلستُ مع مدير تنفيذي يقود شركة ناشئة في طور النمو السريع. فتح حاسوبه وأراني عرضاً تقديمياً رائعاً عن رؤية الشركة، ثم قال بنبرة فيها إحباط واضح: «هذا ما نريد أن نكون عليه، لكن ما يحدث على أرض الواقع شيء مختلف تماماً!» لم تكن هذه المرة الأولى التي أسمع فيها هذه الشكوى. رؤية واضحة على الورق، لكن التنفيذ يسير في اتجاه آخر تماماً.

    الفجوة التي لا نراها

    المشكلة ليست في غياب الرؤية أو ضعف الكفاءات، بل في شيء أعمق من ذلك. دعني أشرح لك ما ألاحظه باستمرار: شركة تعلن أن أولويتها (الابتكار وتمكين الموظف)، لكن عند النظر لنظام التقييم السنوي نجده يكافئ من يلتزم بالإجراءات القديمة حرفياً، ويعاقب من يحاول التجديد. مؤسسة تتحدث عن (التحول الرقمي) في كل اجتماع، بينما ميزانية التقنية لديها أقل من 5% من إجمالي الاستثمارات.

    هذا التناقض ليس نفاقاً أو عدم جدية، بل غياب من يحرس الاتساق بين ما نقوله وما نفعله، بين الطموح والممارسة اليومية.

    من يحرس الاتساق؟

    هنا يأتي الدور الحقيقي لمدير التطوير، وهو دور يُساء فهمه كثيراً.

    البعض يظنه مجرد منسق للتدريب أو كاتب تقارير جميلة للإدارة العليا، لكن الواقع مختلف تماماً.

    مدير التطوير الحقيقي هو من يطرح الأسئلة المحرجة التي يتجنبها الجميع:

    إذا كانت رؤيتنا تتحدث عن سرعة الاستجابة، فلماذا يستغرق اتخاذ أي قرار ثلاثة مستويات إدارية؟ إذا كنا نريد التركيز على رضا العملاء، فلماذا كل مؤشرات الأداء لدينا تقيس الكفاءة الداخلية فقط؟ إذا كان التطوير المستمر أولوية، فلماذا ميزانية التدريب أول بند يُقتطع عند أي ضائقة مالية؟

    هذه الأسئلة ليست تشكيكاً، بل فحص صادق لمدى جديتنا في تحقيق ما نقوله.

    ثلاثة أدوار أساسية

    من خبرتي، مدير التطوير الناجح يلعب ثلاثة أدوار متكاملة:

    1. المترجم

    الرؤية عادة تُكتب بلغة استراتيجية عالية، جمل كبيرة وطموحات واسعة.

    لكن الموظف في الميدان يحتاج أن يفهم: ماذا يعني هذا بالنسبة لعملي اليومي؟

    على سبيل المثال:

    (التميز في خدمة العملاء) جملة جميلة، لكن تحويلها إلى:

    الرد على كل استفسار خلال ساعتين، وحل 90% من المشكلات من أول اتصال،

    هو ما يجعلها قابلة للتطبيق والقياس.

    2. مهندس الأنظمة

    لا يمكن أن نطلب من الناس تغيير سلوكهم دون أن نغير الأنظمة التي تحكم عملهم.

    إذا كنا نتحدث عن التمكين، يجب مراجعة صلاحيات اتخاذ القرار. إذا كنا نريد الجودة، يجب بناء معايير واضحة وآليات فحص منتظمة.

    المؤسسات التي تنجح هي التي تعيد تصميم أنظمتها لتتماشى مع رؤيتها، لا التي تكتفي بالكلام التحفيزي.

    3. قارئ المؤشرات

    ما لا يُقاس لا يُدار.

    نحتاج مؤشرات واضحة تكشف لنا: هل نسير في الاتجاه الصحيح أم لا؟

    لكن الخطر أن نقيس الشيء الخطأ.

    رأيت مؤسسات تتحدث عن رضا العملاء، بينما كل مؤشراتها عن الإنتاجية الداخلية.

    النتيجة؟ هناك من يعمل بجد، لكن في الاتجاه الخاطئ.

    العدو الخفي: المقاومة المهذبة

    أصعب تحدٍ يواجه مدير التطوير ليس من يرفض التغيير بوضوح، بل من يبتسم ويقول:

    «نعم، نحن مع التطوير»، ثم لا يتغير شيء في ممارساته.

    الوقت غير مناسب الآن. دعنا ننتهي من هذا المشروع أولاً. هذا لا يناسب طبيعة عملنا.

    جمل مهذبة تخفي وراءها خوفاً حقيقياً من المجهول.

    التعامل مع هذه المقاومة يحتاج حكمة.

    من تجربتي، الناس لا يقاومون التغيير بحد ذاته، بل يقاومون عدم الوضوح والخوف من فقدان شيء مهم لهم.

    حين نفهم هذا ونعالج المخاوف بصدق، تتحول المقاومة إلى مشاركة.

    في زمن رؤية 2030

    نعيش اليوم وقتاً استثنائياً، تتسابق فيه المؤسسات السعودية نحو تحقيق أهداف طموحة ضمن رؤية المملكة 2030.

    الجميع يتحدث عن التحول، الرقمنة، التمكين، والابتكار.

    لكن الفرق بين من ينجح ومن يبقى يتحدث فقط هو في التفاصيل:

    هل هناك من يحرس الاتساق بين ما نعلنه وما نمارسه؟ هل أنظمتنا تدعم رؤيتنا أم تعيقها؟ هل قراراتنا اليومية تقربنا من أهدافنا أم تبعدنا عنها؟

    كلمة أخيرة

    إذا كنت مدير تطوير، أو تفكر في توظيف شخص، تذكر أن هذا الدور ليس ترفاً إدارياً.

    هو الفرق بين:

    رؤية تُعلّق على الجدران، ورؤية تُعاش في الممرات.

    بين استراتيجية جميلة في العروض التقديمية، وواقع ملموس يشعر به كل موظف وعميل.

    الرؤية الواضحة بلا اتساق في التنفيذ مجرد حلم جميل،

    ومدير التطوير هو من يحوّل هذا الحلم إلى حقيقة،

    يوماً بعد يوم،

    وقراراً بعد قرار،

    وخطوة بعد خطوة.