الطفلة لانا الغامدي ترسم أبعاد فلسفة المسافة في خطاب اليوم العالمي للغة العربية

  • بتاريخ : يناير 19, 2026 - 7:36 م
  • حرره د. شوقية الأنصاري

    احتفل مركز إثراء الثقافي بختام مسابقة (أقرأ) في نسختها العاشرة، ليمتد نور الأثر والثراء من قارئ عاش بين نور الحرف والسطور، إلى مُلهم ينثر الكلم بجوهر بياني جميل. ومن مباهج هذا الحفل تتويج بطلة تحدي الإلقاء العالمي للطفل، ونجمة تحدي القراءة العربي الطفلة لانا خالد الغامدي بلقب (القارئ الواعد)، في مشهد يؤكد أن الطفولة القارئة قادرة على صناعة وعي ثقافي عميق ومؤثر.

    تعيدنا هذه المناسبة إلى قراءة مشهد الطفل القارئ المثقف، ذلك المشهد الذي تتلاقى فيه المساحات والمسافات، دون أن يعوقها البعد بين المدرب والمتدرب، وبين شغف الصوت وصدق الحلم. فمنذ لقائي بالمبدعة لانا وهي دون السابعة من عمرها، كانت بذور الموهبة تنطق من لسانها الفصيح، وبالنماء والصقل والتدريب والتمكين والتحفيز، وتحيّز الفرص التنافسية للمشاركة، نراها اليوم على مشارف نهاية المرحلة الابتدائية وقد تجاوزت حدود “القارئ الواعد” إلى ملامح الإعلامية الواثقة، والمدرّبة المتمكنة، والكاتبة المبدعة، والمؤلفة الملهمة. وتتوق النفس لمشاهدتها تحمل راية الوطن على أكبر مسارح العالم، مبتكرةً عالمةً – بإذن الله.

    هذا المشهد الثقافي الحماسي للطفولة وإبداعها يستجلب التنظير لتجربة لانا الغامدي بكل أبعادها النفسية والاجتماعية والتربوية والثقافية والإعلامية. فمن الجمالية إلى الثقافية، يستدعي خطاب التأمل والتأويل مفاهيم الظل وحدود المعرفة بالمكان، وصوت الطبيعة واللهو والإنشاد، لتبقى جميعها ضمن إطار منطقي مرسوم بتوظيف المسافة وأبعادها التجريبية في حياة الطفل المتعلم، القارئ، المثقف، الواعي.

    أولًا: فلسفة المسافة بين المفهوم العلمي والجمالي

    إن مفردة (المسافة) تعيد إلى الذهن تلك القيمة الهندسية التي لا تتجاوز حدود المقاييس الرياضية والأرقام بمنطق علمي موزون، غير أن المسافة في حقيقتها تبدأ من ذلك الحبل الممتد بين الخالق والمخلوق، وبين الإنسان والآخر، وبين النظر والتأمل بصورة فكرة، وبين السمع وصوت ينبض بالتناقضات الموقظة.

    ومن هنا تنطلق الحجة نحو تطور الأسئلة الجمالية، واندماج الفلسفة بالحوسبة، للبحث عن ذلك البعد العميق الفطري في توظيف المسافة كمفهوم جمالي يتجاوز لغة الفيزياء، ليصل إلى منطلقات إدراكية تمثيلية تترجم الجمال في زوايا هندسية: (الوجود – الإدراك – الشكل)، وهي مرتكزات الفنون من الشعر والرسم والعمارة.

    وعلى مستوى الفلسفة، يرى كانط أن:

    “الحكم الجمالي لا يولد إلا عبر مسافة تأملية تتيح للناظر رؤية الشيء دون أن يكون ملتصقًا به أو مسحوبًا إلى رغباته”.

    وفي الفن التشكيلي تتكرر عبارة:

    “خطوة إلى الخلف تجعل اللوحة أجمل”،

    في إشارة إلى أن العين لا تدرك الجمال إلا إذا منحت نفسها مسافة كافية لرؤية الانسجام بين الأجزاء.

    وفي الشعر العربي تتجلى المسافة في الإيقاع، وفي التوتر بين السطر وعودة النفس، وبين اللفظة وظلالها. يقول أبو تمام:

    السيفُ أصدقُ أنباءً من الكتبِ

    في حدّهِ الحدُّ بين الجدِّ واللعبِ

    موظفًا المسافة بين اللغة والفعل، وبين النص والحدث.

    ثانيًا: لانا الغامدي ومسافة الوعي اللغوي

    مع احتفالية اليوم العالمي للغة العربية، كتبت القارئة الواعدة لانا الغامدي مقالًا عبر حسابها في منصة (X) بعنوان:

    (اليوم العالمي للغة العربية نفخر بها)،

    جاء نصًا هادئًا، لا بوصفه خطاب طفلة قارئة فحسب، بل بوصفه تمرينًا مبكرًا على الوعي اللغوي والفكر الثقافي.

    عاشت لانا اللغة العربية لا بوصفها ماضيًا جامدًا، بل كيانًا حيًا ممتدًا بين زمنين: زمن الشعر القديم وزمن التكنولوجيا الرقمية، لتقف في مسافة معرفية خلاقة متوازنة بين جماليات اللغة وسياقها الثقافي المعاصر.

    ثالثًا: المسافة الزمنية (الماضي – الحاضر – المستقبل)

    وظّفت لانا طبقات الزمن بوعي واضح حين قالت:

    عن الماضي: «في الشعر القديم كنتُ نجمة الأبيات» عن الحاضر: «واليوم، في عصر التكنولوجيا، أجد نفسي على الشاشات» عن المستقبل: «آفاق مبتكرة للغة العربية ترسم مستقبلًا لغويًا أكثر شمولًا»

    فهي لا تصنع فجوة بين التراث والرقمنة، بل مسافة وصل، تبرهن على جودة التلقي ونضج الرؤية.

    رابعًا: المسافة بين الذات والهوية

    تعبّر لانا عن انتمائها للغة العربية بحماسة، مع محافظة على مسافة نقدية ذكية. فهي لا تقول: «أنا اللغة»، بل تقول:

    «أحتفي بها، أحافظ عليها، أُدخلها عقول الأطفال، ونبتكر لها».

    وهنا تتحول الهوية من شعار عاطفي إلى مشروع عمل، وتنتقل من بلاغة الانفعال إلى بلاغة الوعي.

    خامسًا: المسافة بين اللغة والسلطة الثقافية

    حين تقول:

    «وأثبت أنني حرف لا يمكن الاستغناء عنه»،

    فهي تعيد تعريف قوة اللغة بوصفها كائنًا حيًا قادرًا على التكيف والاندماج.

    وتقول بمعنى فلسفي عميق:

    «اللغة قوية لأنها حيّة… ومهمتي أن أجعلها نابضة بالحياة».

    فتظهر هنا مسافة جمالية بين الصوت والمعنى:

    «صوتي… نغمة كلامي… تاج قوتي»،

    كاشفة عن وعي مبكر بالموسيقى الداخلية للغة وجمالها.

    خاتمة

    إن خطاب لانا الغامدي لا يمثل مجرد مشاركة احتفالية بيوم اللغة العربية، بل مشروع وعي ثقافي واعد، تتجلى فيه فلسفة المسافة بوصفها أداة للفهم، والجمال، وبناء الهوية، وربط التراث بالمستقبل.

    فهي تمارس الفلسفة بوعي الطفولة ودهشة الاكتشاف، وبمنطق الإقناع والإلهام، لتكون نموذجًا للطفل القارئ الباحث عن الحقيقة، المدرك للحجج، المتفلسف بحب، والمؤمن بأن الكلمة قادرة على صناعة العالم.