بقلم: ولاء بنت علي الحكمي
في مساء يوم الإثنين التاسع من فبراير 2026، شثهدت قاعة مكة الكبرى بحي الزايدي لحظة فارقة في مسيرة الرعاية الصحية بمنطقة مكة المكرمة، حين أعلنت جمعية معاد لرعاية مرضى الكلى عن تأسيس أكبر مركز لغسيل الكلى في المنطقة، وتدشين حزمة من الأنشطة والخدمات الجديدة. هذاالحدث لم يكن مجرد افتتاح لمنشأة صحية، بل كان إعلاناً عن نموذج مؤسسي متكامل يستحق التأمل والتحليل.
أولاً: البُعد الاستراتيجي – استجابة مؤسسية لحاجة حقيقية تتجاوز أهمية هذا المشروع كونه توسعاً في الطاقة الاستيعابية لخدمات غسيل الكلى؛ فهو يأتي استجابةً استراتيجية لتحدٍّ صحي متنامٍ في منطقة تجمع بين كثافة سكانية عالية واستقبال ملايين الحجاج والمعتمرين سنوياً. إن تأسيس مركز بهذا الحجم في مكة المكرمة يعكس فهماً عميقاً لمعادلة العرض والطلب في القطاع الصحي، ويمثل تطبيقاً عملياً لمبدأ التخطيط القائم على البيانات والاحتياج الفعلي.
ثانياً: التحول المؤسسي في القطاع غير الربحي – من الإحسان إلى الاستدامة ما يلفت الانتباه في تجربة جمعية معاد هو انتقالها من نموذج الجمعية الخيرية التقليدية إلى مؤسسة تُدار بعقلية المنظمات الحديثة. تدشين أنشطةوخدمات جديدة إلى جانب المركز يشير إلى تبنّي منهجية التنويع في الخدمات وبناء منظومة رعاية متكاملة، وهو ما نسميه في مجال التطويرالمؤسسي بالتحول من الخدمة الأحادية إلى المنصة المتكاملة.
هذا التحول يتسق مع توجهات رؤية 2030 التي تؤكد على تمكين القطاع غير الربحي وتحويله من متلقٍّ للدعم إلى شريك فاعل في التنمية، قادر على تقديم خدمات نوعية بمعايير احترافية.
ثالثاً: الأثر على منظومة الرعاية الصحية بمكة المكرمة
يمثل هذا المركز إضافة نوعية لمنظومة الرعاية الصحية في المنطقة من عدةجوانب: تخفيف الضغط على المستشفيات الحكومية والخاصة، وتقليص قوائم الانتظار لمرضى الفشل الكلوي، فضلاً عن خدمة ضيوف الرحمن الذين قد يحتاجون لجلسات غسيل كلوي خلال إقامتهم. إن ربط المشروع بخدمة الحجاج والمعتمرين يضيف بُعداً إنسانياً واقتصادياً يتجاوز حدودالخدمة المحلية.
رابعاً: دروس مستفادة في التطوير المؤسسي
تقدم تجربة جمعية معاد عدة دروس قيّمة للمنظمات غير الربحية والقطاع الصحي على حد سواء. أبرزها أن التوسع المدروس المبني على تحليلاً لاحتياج يختلف جذرياً عن التوسع العشوائي، وأن بناء الشراكاتالمجتمعية الفعّالة هو ركيزة أساسية لنجاح المشاريع الكبرى. كما أن تبنّيالحوكمة الرشيدة والشفافية في العمل الخيري يعزز ثقة المجتمع والمانحين. وأخيراً، فإن تكامل الخدمات يرفع جودة الرعاية ويحقق كفاءة تشغيلية أعلى.
خامساً: نظرة مستقبلية
نأمل أن يكون هذا المركز نواة لمنظومة صحية متكاملة تتبنى أحدث التقنياتفي مجال غسيل الكلى، وتستثمر في تأهيل الكوادر الوطنية المتخصصة، وتطبق معايير الجودة والاعتماد المؤسسي، وتبني قاعدة بيانات بحثية تسهمفي تطوير بروتوكولات العلاج محلياً.
إن ما شهدته قاعة مكة الكبرى في ذلك المساء لم يكن مجرد حفلتدشين، بل كان إعلاناً عن نضج مؤسسي في القطاع غيرالربحي السعودي، ونموذجاً يُحتذى في كيفية تحويل الرؤيةالاستراتيجية إلى واقع ملموس يخدم الإنسان في أطهر البقاع.
بقلم: ولاء بنت علي الحكمي | مستشارة إدارية واستراتيجية








إرسال تعليق