بقلم – سلافة سمباوه
تُتخذ المواقف معيارًا للتقييم، وغالبًا ما تكون مجانية ومتاحة للجميع من باب البذل، وأساسها المحبة. كأن تفتح بيتك للقاصي والداني، الكريم واللئيم، الحاسد وصاحب العين الشبعانة. تلك بديهيات نقيس بها الآخرين، ممن تربطنا بهم علاقات عميقة أو عابرة.
وفي هذه المساحات المفتوحة، تتجلى حقيقة راسخة: الإنسان موقف، ومعادن الناس لا تظهر بوضوح إلا في الشدائد، حين يحتاج بعضهم إلى بعض، فينكشف النفيس من الصدئ، وما بينهما.
لنتأمل ونسأل:
ماذا لو خذلنا من نؤمن بنقائه؟ من شاركناه أفراحنا ومواجعنا، وظننا أنه سيبقى سندًا مهما تغيّرت الظروف، أو على الأقل لن يطعن في الظهر؟
هل نغادره وتغادره ذاكرتنا لأن موقفًا واحدًا خذلنا؟ أم نحتفظ بودّنا لأن ما بيننا أكبر من حسابات لحظة؟
تقودنا هذه الأسئلة إلى موقف شخصي:
هل خذلك قريب أو صديق، وامتنع عن مدّ يده إليك وأنت في أمسّ الحاجة؟ هل شطبت اسمه من ذاكرة الوفاء، وعاهدت نفسك ألا تلجأ إليه مرة أخرى؟
ربما تكون محقًا، لكن قبل الحسم، هل سألت: لماذا خذلتني؟ هل تجرؤ على السؤال، أم تخشى إجابة واهية تزيد الألم؟ وهل منحت العتاب حقّه؟ فالعتاب أحيانًا حاجة لا تقلّ عن الحاجة إلى كتفٍ يوم السقوط.
قد يُقال إن الصديق وقت الضيق، وهذا صحيح. لكن ماذا لو كانت ظروفه أقسى مما نرى؟ ماذا لو عجز عن الوصول إليك، لا رغبةً في الغياب بل عجزًا عن القدرة؟ بل ماذا لو احتاج إليك يومًا وخذلته دون أن تشعر؟
اسأل نفسك: ألم تخذل أحدًا ثم سُمح لك بالبقاء؟ إن كان الجواب نعم، فلماذا لا تمنح بالمثل؟ وإن كان لا، فذلك لا يسلب الآخر حقه في الشرح والدفاع. إن اقتنعت، فالتسامح أولى، وإن لم تقتنع، فالمسافة قرار.
منح الفرصة الثانية ليس ضعفًا، بل وعيٌ بأن العلاقات لا تُختزل في موقف واحد. لكن الفرص لا تُمنح بلا حدود، بل بقدر ما يُثبت الآخر استحقاقه. فليس كل اعتذار يعيد الثقة، ولا كل خطأ يستوجب الإقصاء.
المعضلة الكبرى ليست في الخذلان وحده، بل في “العشم” حين يتضخم بصمت. نحمّل الآخرين ما لم يعدوا به، فنصنع خيباتنا، ثم نحاسبهم عليها. إدارة المواقف تعني أن نعطي بوعي، لا بإفراط، وأن نفتح الأبواب مع معرفة من يستحق البقاء فيها.
القرب الحقيقي لا يُقاس بكثرة الحضور، بل بصدقه عند الحاجة. ومن يستحق أن يبقى هو من يطمئن القلب لوجوده، لا من يُربكه غيابه.
لا تعاتب دائمًا، واجعل مواقفك باهظة لمن يستحقها، وفلتر ما حولك. فالأقربون قد يكونون أول الصدمات إن غاب الوعي، وأول من يلوكونك إن أسرفت في العطاء بلا حدود.
في النهاية، ليست كل الأسماء تُشطب، ولا كل العلاقات تُستعاد. بعضهم يُعاد تعريفه، وبعضهم يُعاد وضعه في مسافة تليق به.
فلتكن مواقفكم بيضاء ناصعة، ولكن بوعيٍ يحفظكم من أن تُهدروا أنفسكم في غير موضعها.








إرسال تعليق