بقلم – سلافة سمباوه
ثمة سؤالٌ لا يُطرح كثيرًا لأنه محرج: هل أنتِ امرأة، أم أنثى؟ فالكلمتان تشتركان في الجنس، وتفترقان في الجوهر. كل أنثى امرأة، لكن ليست كل امرأة أنثى. المرأة جنسٌ بيولوجي، أما الأنوثة فطاقة، سحرٌ لا يُشترى ولا يُصطنع، بل يُولد كما تُولد الموهبة، ويظهر في السلوك قبل أن يظهر في الشكل.
الفارق بينهما ليس فارق جمال، فكم من امرأة تملك حسنًا صارخًا وتبقى علاقاتها هشة لا تدوم، وكم من أخرى بلا ادعاء جمال يحبها الجميع، لأن سرّها ليس في وجهها، بل في طريقتها. الأنوثة رقيّ في التعامل، حضور يفرض احترامه دون صراخ، ونعومة تُلين القلوب دون أن تُذيب الكرامة.
والحقيقة الأكثر إزعاجًا أن التصنع لا يخفى مهما حاولت صاحبته إتقانه. فالأنوثة المصطنعة تُشبه العطر الرخيص، رائحته قوية في اللحظة الأولى، لكنها تتبخر سريعًا وتفضح نفسها. أما الأنوثة الحقيقية فتُشبه العطر الفرنسي الأصيل، خافتة في البداية، لكنها تترك أثرًا يبقى بعد رحيل صاحبته. والعين المدرّبة تُميّز الفرق منذ اللحظة الأولى: بين حركة مصطنعة تُحسب بدقة أمام المرآة، وبين سكينة تنبع من الداخل فتظهر في كل التفاصيل دون جهد.
وهنا تكمن المفارقة التي تعيشها كثيرات دون وعي: حين تظن المرأة أن قوتها في أن تُثبت نفسها بمنافسة الرجل في ساحته، أو بمنافسة السيدات من حولها في المظهر والاستعراض، فإنها تفقد دون أن تدري أثمن ما تملك. فالسيدة الراقية لا تُثبت جدارتها بمزاحمة الرجل، لأنها تعرف أن قيمتها لا تُقاس بمقارنة، بل بذاتها المكتملة وحدها. ولا تدخل في سباق مع النساء من حولها لإثبات الأفضلية، لأن من تحتاج السباق لتُرى، لم تُدرك بعد أن الحضور الحقيقي لا يحتاج جمهورًا ليُلاحظ.
الأنثى الحقيقية لا تستعرض، لأنها لا تحتاج شهادة من أحد لتعرف قيمتها. هي تلك التي تدخل المكان بهدوء، فيشعر الجميع بحضورها دون أن ترفع صوتها أو تتصنّع لفتة. أما التي تُنهك نفسها في محاولة الظهور، في التقليد، في تكرار حركات رأتها عند غيرها، فهي – مهما أتقنت التمثيل – تفتقد ذلك السحر الذي لا يُصنع بالجهد، بل يُولد من السلام الداخلي. والمشكلة أن المتصنعة تظن أن الآخرين لا يرون، بينما الحقيقة أن التصنع له رائحة مميزة يشمّها الجميع، حتى لو صمتوا عنها مجاملة.
ولعل أخطر ما وقعت فيه كثيرات، أنهن ظننّ التصلب قوة، والجفاف حزمًا، والانشغال بمجاراة الرجل في كل شيء تقدمًا. فتحولت العلاقة من مودة إلى ساحة صراع، ومن سكن إلى ندّية، حتى نسيت المرأة نبرة صوتها الهادئة، ونسي الرجل أنه يبحث عن أنثى لا عن خصم.
الأنوثة، في جوهرها، ليست حالة ثابتة تُمنح مرة واحدة ،إنما اختيارٌ يوميّ يُصنع بالوعي لا بالمصادفة، ولا يُشترى بالتقليد. فلتسأل كل امرأة نفسها، بصدقٍ لا تجميل فيه: هل أنا حقًا أنثى، أم أنني فقط أُتقن تقليد الأنوثة أمام الآخرين؟ فالفارق بين الاثنتين لن يخفى طويلًا، لأن التصنع – مهما بلغت مهارته – يفضح نفسه في أول موقف حقيقي، بينما الأصالة تزداد وضوحًا كلما اشتد الاختبار.









إرسال تعليق