بقلم أ.ولاء بنت علي الحكمي
قراءةٌ في تحوّلٍ يعيد للإقليم زمامَ أمنه..
ثمّة لحظاتٌ لا تُقاس بحجم الحدث فيها، بل بتغيّر القاعدة التي يُقاس بها الحدث. توقيع المملكة العربية السعودية وتركيا وباكستان «اتفاقية مكة للدفاع المشترك»، يوم الجمعة السابع من أغسطس، واحدةٌ من هذه اللحظات. فالجملة المركزية في الاتفاق واضحة: الاعتداء على واحدةٍ اعتداءٌ على الجميع. لكنّ ما تغيّر ليس بنداً في وثيقة، بل قواعد التفكير في الأمن الإقليمي ذاته.
لنبدأ من مفارقةٍ تبدو معاكسةً للحدس. يُظنّ أحياناً أنّ الدولة كلّما دخلت في تحالفٍ نقصت من استقلالها، وأنّ السيادة تُصان بالانكفاء. غير أنّ العكس هو الأصحّ في السياسة كما في المؤسسات: السيادة تتّسع حين تُمارَس اختياراً، لا حين تُختزَل إلى عزلة. أن تختار المملكة شركاءها بإرادتها، وأن تصوغ ترتيبها الأمني بشروطها، هو ذروة السيادة لا انتقاصٌ منها. هذه سيادةٌ تعاونية: قوّةٌ تزداد بالاصطفاف الطوعي بدل أن تنقص به، لأنّ من يملك أن يقرّر مع مَن يقف، يملك قراره كاملاً.
وتزداد المفارقة عمقاً حين ننظر في تركيبة الأطراف الثلاثة. الاتفاق لا يجمع دولاً متماثلة، بل يعشّق ثلاث قدراتٍ مختلفة. المملكة تحمل الثقل الاقتصادي والسياسي والدبلوماسي، وموقعها المحوري في أسواق الطاقة واستقرار الإقليم. وتركيا راكمت صناعةً دفاعيةً متقدمة في المسيّرات والأنظمة الإلكترونية والمنصات الحديثة. وباكستان تملك مؤسسةً عسكريةً واسعة الخبرة والعمق. القيمة هنا ليست في جمع المتشابه، بل في تكامل المختلف، تماماً كما تُصمَّم الفرق الناضجة على أدوارٍ يسند بعضها بعضاً. وهذا التكامل هو ما يمنح الاتفاق وزناً نوعياً يتجاوز اتفاقات التعاون التقليدية.
على أنّ الأثر الأعمق لا يقف عند موازين القوة، بل يمسّ فكرة الأمن نفسها. لعقودٍ طويلة، اعتاد الإقليم أن ينتظر ترتيباته الأمنية جاهزةً من خارجه، مصمَّمةً بمنطقٍ ومصالح لا تنبع بالضرورة من واقعه. اتفاقية مكة تقلب المعادلة: من استيراد الأمن إلى إنتاجه، ومن انتظار الحماية إلى المشاركة في صناعتها. الرسالة المضمرة أنّ دول الإقليم أدرى بأمنها، وأنّ الحلّ الذي ينبت من الأرض أرسخ من الحلّ الذي يُنقل إليها.
من هنا يخطئ من يختصر الاتفاق في عبارة «ناتو إسلامي». فحلف شمال الأطلسي مؤسسةٌ تراكمت عبر سبعة عقود بقيادةٍ موحّدةٍ وبنيةٍ ضخمة، بينما ما وُقّع في مكة صيغةٌ سياديةٌ ناشئةٌ تبحث عن شكلها الخاص. والأصالة لا تكمن في محاكاة القوالب، بل في ابتكار صيغةٍ تناسب طبيعة الإقليم ومصالحه. المنطقة لا تستنسخ نموذجاً، بل تكتب واحداً.
ولأنّ نبرة الاتفاق أهمّ من نصّه أحياناً، يجدر التوقّف عند لغته. أكّدت الرياض أنّ «اتفاقية مكة» لا تستهدف أي دولة، وليست تصعيداً ولا محوراً في وجه أحد، بل ترتيبٌ للأمن الجماعي والردع الاستراتيجي جاء بعد نحو عامٍ من المفاوضات الهادئة. هذه لغةٌ تصنع الردع دون أن تستفزّ، وتبني توازناً دون أن تشعل سباقاً. والقوة الأنضج هي التي تُفهَم رسالتها دون أن تُرفَع بها الأصوات.
ثمّ يبقى المكان. لم يكن توقيع الاتفاق في مكة تفصيلاً بروتوكولياً. مكة موضعٌ للاجتماع لا للافتراق، وحين يُختار قلب العالم الإسلامي مسرحاً لترتيبٍ يقوم على الحماية المتبادلة، يكتسب الاتفاق شرعيةً رمزيةً تسبق شرعيته القانونية، وتؤطّره داخل رابطةٍ أعمق من حسابات اللحظة.
يبقى أنّ النصوص وحدها لا تصنع تحالفاً. الفارق بين إعلانٍ يُذكَر وترتيبٍ يعمل هو القدرة على ترجمة المبدأ إلى مؤسساتٍ وآلياتٍ وحوكمةٍ تصمد بعد انطفاء أضواء التوقيع. هنا سيُختبر النضج الحقيقي، وهنا سيُعرَف إن كانت «اتفاقية مكة» بدايةَ بنيةٍ أم مجرّد لحظةٍ لامعة.
لكن ما تغيّر أمس أبعد من الوثيقة. تغيّرت الفكرة: أنّ السيادة تتّسع بالشراكة الحرّة لا تضيق بها، وأنّ الأمن يُنتَج من الداخل لا يُستورَد من الخارج، وأنّ الإقليم قادرٌ على أن يكون مؤلّفاً لمعادلته لا مجرّد قارئٍ لها. ومن مكة، حيث يلتقي المعنى بالاستراتيجية، بدت المنطقة وهي تستعيد قلماً طالما كتب به غيرُها سطورها.









إرسال تعليق