رحل عن دنيانا معالي الدكتور راشد بن راجح الشريف ـ رحمه الله ـ مخلفاً في سجل الوطن صفحة مشرقة من العطاء العلمي والإداري. لم يكن رحيله نبأً عابراً، بل جرحاً غائراً في قلوب كل من عرفه، وخسارة فادحة لكل مؤسسة نهلت من حكمته، وفجيعة شخصية لي أنا الذي لم أجده قريباً أو معلماً فحسب، بل وجدت فيه والداً حقيقياً وحضناً دافئاً.
عاش الفقيد ـ طيب الله ثراه ـ حياة مفعمة بالبذل والعطاء، فكان أحد روّاد بناء جامعة أم القرى، ومن المؤمنين بأن صرح العلم لا يرتفع بالحجر وحده، بل بالرجال الذين يحملون همومه ويصونون رسالته. تنقل في مناصب المسؤولية بثبات ورؤية، حتى ارتبط اسمه بالحكمة والإدارة الرشيدة، وكانت تجربته في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني ومجلس الشورى محطتين بارزتين في مسيرته التي جمعت بين الرؤية الثاقبة والانضباط الرفيع.
ولم تكن علاقته بمن حوله علاقة منصب أو موقع، بل علاقة إنسانية صادقة؛ فمجلسه كان منارة للحوار الهادف، ومنبراً يجمع العلماء والأدباء والمفكرين، لا يغادر الجليس مجلسه إلا وقد اغتنى بفائدة في الدين أو التاريخ أو اللغة. ورغم ثقل المسؤولية وزحام المشاغل، كان ـ رحمه الله ـ متواضعاً يمشي بين الناس، يقضي حوائجهم، ويزور غنيهم وفقيرهم، ويحفز الشباب على طلب العلم والالتحاق بالدراسات العليا، حتى أصبح الكثير ممن حوله حملة شهادات عليا وأصحاب مناصب قيادية.
كان كريماً لا يحب أن يُذكر كرمه، حاضراً في الأفراح والأتراح، عوناً حين تنقبض الأيدي، وسنداً حين يغيب القريب. جمع بين هيبة المسؤولية وسماحة النفس، تاركاً في القلوب أثراً لا تمحوه الأيام.
وكان له ـ رحمه الله ـ أثر بالغ في حياتي، وقدوة حية اقتديت بها منذ نعومة أظفاري؛ فقد كانت والدتي رحمها الله تحثني على الاجتهاد في دراستي لأكون مثل الدكتور راشد الراجح. ومع كثرة المواقف التوجيهية والتربوية التي عشتها معه، أكتفي هنا بذكر ثلاثة نماذج لا تفارق الذاكرة، أحياها كلما استحضرت اسمه الغالي.
الموقف الأول: في مطلع عام ١٤٠٥هـ، وبعد تخرجي من الثانوية العامة، استدعاني وتجولنا معاً تحت ظلال النخيل في مزرعته بمحافظة تربة. سألني عن التخصص الجامعي الذي أنوي الالتحاق به، فأخبرته بشغفي بالفيزياء ورغبتي فيها، فأشار عليّ بالتوجه إلى قسم العمارة، موضحاً أن الهندسة المعمارية من التخصصات الحيوية التي يحتاجها الوطن في مسيرة تنميته. وكان رأيه عندي ـ مهما بدا اقتراحاً ـ توجيهاً لا يُرد؛ فتقدمت لقسم العمارة، وقُبلت فيه، وأكملت مشواري العلمي في هذا التخصص الذي رسم لي معالمه بكلمة صادقة من رجل لم يبخل يوماً بنصح أو توجيه.
الموقف الثاني: لا أنسى ـ ما حييت ـ إلحاحه المستمر عليّ بإكمال الدراسات العليا، وإشادته الدائمة بمستواي الأكاديمي، وتأكيده على ضرورة إكمال الدراسة في الخارج، وحثّه لي على عدم التردد في تلك الخطوة. وكان ـ رحمه الله ـ يردد دائماً: “الحق بعابد” ـ يقصد ابن أخيه الأستاذ الدكتور عابد بن عابد الراجح الذي كان آنذاك يكمل دراسته في بريطانيا. وكان اهتمامه بقرار ابتعاثي لإكمال الدكتوراه اهتماماً صادقاً ومحفزاً، يتابع معي تطورات القبول، ثم سير معاملتي وإجازات المجالس المختصة من مجلس القسم إلى مجلس الكلية وسائر الإجراءات، يسأل عن التفاصيل، ويوجه توجيهات دقيقة، ويعينني على تجاوز التحديات. وقد ابتُعثت بالفعل إلى جامعة ليفربول البريطانية، وكان في استقبالي عند أول وصولي إلى مطار هيثرو بلندن الأستاذ الدكتور عابد، طالب الدراسات العليا حينها وأستاذ الاقتصاد فيما بعد.
الموقف الثالث: حين زار رحمه الله بريطانيا لتفقد أحوال المبتعثين، اتصل بي طالباً القدوم إلى لندن لحضور لقائه بمبتعثي جامعة أم القرى بمقر الملحقية الثقافية السعودية ـ تلك الملحقية التي شاء الله لي فيما بعد أن أنضم إلى فريق عملها لخدمة المبتعثين في الجامعات والمؤسسات البريطانية. وبعد انتهاء لقائه، أخذني معه إلى مقر إقامته، ورافقت فريق العمل المصاحب له في جميع لقاءاته على مدى ثلاثة أيام، وكان ـ رحمه الله ـ يسألني باستمرار عن أوضاع المبتعثين وعما يواجههم من احتياجات أو تحديات، حريصاً على أن يطمئن بنفسه على كل شاردة وواردة من شؤونهم. وبقيت في صحبته حتى ودعته لحظة مغادرته بريطانيا، في مشهد جسّد حرصه الأبوي على أبنائه المبتعثين، وعلى رأسهم أنا الذي كان يخصّني بعناية لا تخطئها العين.
ولا يفوتني أن أذكر أثره التحفيزي الذي امتد ليشمل ليس جيلي فقط بل وأجيالاً بعدي، ولا أنسى تشجيعه لأبنائي حفظهم الله؛ ففي مجلسه العامر أو في أي مناسبة عائلية، كان ـ بالإضافة إلى خطبته الفكرية ونصائحه التوجيهية ـ يطرح أسئلة ثقافية علينا نحن الكبار وكذلك على الصغار، ويثري تلك المجالس بالمناقشات الثقافية المتنوعة، ويكافئ الصغار بمبالغ مالية مجزية. يستذكر ابني عبدالله (النقيب الدكتور عبدالله بن فيصل حالياً) أنه لا ينسى تحفيز الدكتور راشد له حين ناظره في قصيدة الأصمعي التي مطلعها: “صوت صفير البلبل.. هيج قلبي الثمل”، وعندما أنشدها الابن، جاراه وشجعه. وعلى غرار أغلب أبناء الأقارب، فلكل واحد من أبنائي الأربعة ـ المنذر وعبدالله وحمزة وهاشم حفظهم الله ـ قصة مماثلة في التحفيز والتشجيع والمكافآت المجزية مع هذا الأب الروحي للصغير والكبير، وهذا كله ـ ولله الحمد ـ انعكس على حرصهم على العلم والعمل، ليكونوا الآن كوادر معطاءة تسهم في تنمية هذا الوطن المعطاء.
ومن أساليبه التربوية الرائعة في التحفيز أنه كان يستحضر رابطة الولاء والانتماء، فكثيراً ما كان يذكرني بمنجزات آبائنا وأجدادنا رحمهم الله، وكان رحمه الله يخصني بذكر مآثر والدي الشريف محمد بن عبدالله بن جعفر رحمه الله، ويطري دوره الكبير في دعم جماعته وأقاربه، وكرمه ومساهمته في المشاريع التنموية بمحافظة تربة، كإنشاء شركة كهرباء تربة، وأول مخطط عمراني في المحافظة مطلع التسعينيات الهجرية من القرن الماضي وهو “مخطط منيف”، ودوره في توطين العديد من العوائل الراحلة بقطع أراضي لهم في هذا المخطط، إلى جانب أعماله في اللجنة الأهلية بمركز التنمية الاجتماعية بمحافظة تربة، وتطوير المشاريع الزراعية بالمحافظة. كما كان يستذكر جدي الشريف عبدالله بن جعفر رحمه الله، صاحب المواقف الكبيرة في مساندة جماعته، ووجاهته في ترتيب شؤونها، وكرمه وعنايته بالفقراء والمحتاجين من أهل المحافظة. وكان يحكي لنا قصصاً تركت أثراً بالغاً في تحفيزنا على حفظ سمعة القبيلة ومكانتها، مستحضراً سير شخصيات بارزة كشيخ الجماعة الشريف جعفر بن سلطان الذي كانت له علاقات وثيقة بولاة الأمر ـ الملك سعود والملك عبدالعزيز رحمهما الله. بل إنه ناقشني يوماً في مضمون وثائق مراسلات بين أجدادي، الشريف عبدالله بن جعفر وأخيه الأكبر الشريف سلطان بن جعفر شيخ أشراف تربة حينها، وبين الملك عبدالعزيز رحمه الله، تعود إلى بدايات دخول تربة ومحافظة الطائف ضمن الحكم السعودي (١٤٣٧ـ١٤٤١هـ)، وما كان لتلك المراسلات من دور في استقرار أشراف تربة وسط أملاكهم وأوقافهم في تربة ومكة المكرمة مع مرحلة توحيد المملكة وترسيخ هذا العهد السعودي الزاهر.
رحم الله الوالد معالي الدكتور راشد الراجح رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته، وألهمنا نحن أهله ومحبيه الصبر والسلوان. فقد رحل الجسد وبقي الذكر، وغاب الشخص وحضرت المواقف والتوجيهات التي رافقتني طوال مسيرتي العلمية والعملية، وستظل الدعوات الصالحة ترافق اسمه ما تعاقب الليل والنهار.

كتبه: د. فيصل بن محمد عبدالله الشريف
هندسة معمارية – مكة المكرمة









إرسال تعليق