عبدالمحسن محمد الحارثي
محاصرة السحر بالوعي قبل أن يحاصرنا بالخوف، ومحاصرة الساحر بالقانون قبل أن نمنحه سلطةً على عقولنا.
السحر حقيقة دلّ عليها القرآن والسنة، وثبت أن رسول الله ﷺ سُحر، ثم عافاه الله تعالى. والإيمان بحقيقته لا يعني أن نعلّق كل مرض أو خلاف أو مصيبة عليه، كما أن رفض الخرافة لا يبرر إنكار ما ثبت في الوحي.
لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده ليس: هل السحر موجود؟ بل: كيف نحاصره إذا تحول من ممارسة خفية إلى سوق لها ساحر، وطالب، ومال، ووساطة؟
هنا تبرز المقارنة مع المخدرات، في بنية الطلب والعرض، لا في الحكم ولا في طبيعة الجريمة.
فالمخدرات لها مروّج ومدمن؛ أحدهما يعرض السم، والآخر يصنع الطلب.
والسحر له ساحر ومستعين به؛ أحدهما يمارس، والآخر يطلب ويدفع ويفتح للساحر سوقه.
ولهذا لا يكفي أن نحاصر الساحر وحده؛ كما لا تكفي محاربة المروّج إذا ظل الطلب على المخدر قائمًا.
القضاء على السوق يبدأ من طرفيها.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى رؤية نظامية واضحة: تجريم ممارسة السحر، وتجريم الاستعانة بالسحرة بقصد الإيذاء أو التفريق أو تحقيق غاية محرمة، وتجريم الوساطة إليهم وتمويلهم والترويج لهم، وكل مشاركة تثبت علاقتها بالفعل الإجرامي.
لكن هنا يجب أن يكون القانون دقيقًا؛ فليس كل من وقع في يد ساحر مجرمًا. هناك ضحية خُدعت باسم العلاج أو استُغلت في لحظة ضعف. المجرم هو من يثبت علمه وقصده ومشاركته، والضحية محل حماية لا محل اتهام.
وهذا يقودنا إلى الجانب الذي يغذي هذه السوق: المال.
فالسحر، حين يتحول إلى ممارسة متكررة، يصبح سوقًا لها مقابل مالي، وطلب، ووساطة، وتبادل منفعة. ولذلك فإن تجفيف موارده المالية، وملاحقة من يمول هذه الممارسات أو يتكسب منها، يضرب أحد أهم شرايينها.
أما الجن، فهم من عالم الغيب الذي نؤمن به كما جاء في الوحي، ولا يجوز تحويل هذا العالم إلى مجال للاتهام أو الإثبات القضائي.
المعلوم هو الإنسان الذي يمارس الفعل، والمجهول هو ما وراء عالم الشهادة.
ولهذا يحاسب القانون الإنسان على ما يثبت من فعل وقصد ومشاركة، لا على الظنون ولا على الغيب.
وإذا اتسعت دائرة السحر، وكثر السحرة، وكثر المتعاملون معهم، لم تعد المسألة شأنًا فرديًا؛ بل تصبح خطرًا على الأسرة والمجتمع، لما يمكن أن ينتج عنها من تفريق، وإيذاء، وابتزاز، واستنزاف للمال، وإشاعة للخوف، وإفساد للعلاقات.
وهنا لا يكفي الوعظ وحده، ولا يكفي القانون وحده.
نحتاج إلى مثلث مواجهة:
وازع ديني يردع الإنسان عن السحر والذهاب إلى الساحر.
وعي مجتمعي يحاصر الخرافة والشائعة والاتهام بلا دليل.
قانون حازم يجفف السوق ويلاحق كل من تثبت مشاركته فيها، ويحمي في الوقت نفسه ضحايا الدجل من الابتزاز والوصمة والاستغلال.
وهذه هي النقلة التي نحتاج إليها: لا نريد مجتمعًا يعيش مرعوبًا من السحر، بل مجتمعًا يعرف حقيقته الشرعية، ويدرك خطره، ولا يمنح الساحر سلطة على عقله.
وكما أن مواجهة المخدرات لا تتوقف عند المروّج، فإن مواجهة السحر لا ينبغي أن تتوقف عند الساحر؛ لأن استمرار الطلب يعني استمرار السوق.
الوعي يحاصر السحر.
والقانون يحاصر الساحر.
والتجريم يحاصر طالب السحر.
ثم تأتي القاعدة التي تختصر اقتصاد الظاهرة:
إذا انقطع الطلب، ضاق السوق؛ وإذا جُففت السوق، انحسر الساحر.
وعندها لا يعود الخوف هو اللغة التي يتحدث بها الساحر إلى المجتمع؛ بل يصبح القانون هو اللغة التي يتحدث بها المجتمع إليه.
فنحن لا نحارب عالم الغيب؛ نحارب الإنسان الذي يحوّل الغيب إلى تجارة، والخوف إلى سلطة، والسحر إلى جريمة.









إرسال تعليق