إسبانيا.. جيناتٌ أندلسية ترفع كأس العالم

  • بتاريخ : يوليو 19, 2026 - 11:21 م
  • بقلم : عبدالمحسن محمد الحارثي

    حين رفعت إسبانيا كأس العالم، لم يصفّق الإسبان وحدهم.

    في الضفة الأخرى من المتوسط، كان للعرب سببٌ إضافي للفرح.

    فإسبانيا ليست بلدًا عابرًا في الذاكرة العربية؛ إنها البلاد التي كانت يومًا الأندلس، وكانت قرطبة فيها عاصمةً للعلم، وغرناطة آخر ما تبقّى من الحلم، وإشبيلية صفحةً ناصعة من كتاب الحضارة.

    منذ أن عبر طارق بن زياد إلى الأندلس، دخل العرب التاريخ الإسباني دخولًا لم يكن عابرًا. وقبل الأندلس، كان التاريخ العربي قد طرق أبواب القسطنطينية، وبلغ تخوم عاصمة الإمبراطورية البيزنطية؛ وكأن العرب لم يكونوا يكتبون تاريخهم على الرمل، بل على خرائط العالم.

    ثم جاءت الأندلس.

    قرابة ثمانية قرون من الحضور العربي والإسلامي في شبه الجزيرة الإيبيرية؛ ثمانية قرون لا تكفي لحكم الأرض فحسب، بل تكفي لصناعة ذاكرة. فكانت قرطبة منارات علم، وغرناطة قصيدةً من حجر، وإشبيلية مدينةً يتجاور فيها الجمال والعقل، وكانت الأندلس جسرًا عبرت فوقه علوم الشرق إلى أوروبا.

    ولذلك، فإن إسبانيا التي يعرفها العالم الرياضي باسم «لا روخا»؛ أي الحمراء، يعرفها العربي باسمٍ آخر لا تقوله كتب الرياضة:

    بلاد الأندلس.

    ولا يعني ذلك أن إسبانيا الحديثة هي الأندلس القديمة؛ فالتاريخ لا يعيد ملكية الأرض، ولا يورّث الدول كما تُورّث الأملاك. لكن الأرض لا تنسى كل من مرّ بها، والمدن لا تمحو من بنى مجدها، واللغة لا تستطيع دائمًا أن تخفي أصول بعض كلماتها.

    هنا تحديدًا، يمكن للعربي أن يتحدث عن الجينات العربية في المنتخب الإسباني.

    لا جينات الدم والوراثة، وإنما جينات المكان والذاكرة والثقافة؛ ذلك الأثر الذي تركه العرب في إسبانيا، حتى أصبح جزءًا من تاريخها، ومشهدها، ولغتها، وحضارتها.

    ولعل في طريقة لعب المنتخب الإسباني شيئًا من روح الأندلس: جمالٌ لا ينفصل عن العقل، وإبداعٌ لا يستغني عن النظام، وصبرٌ في بناء الهجمة، وإيمانٌ بأن الطريق إلى الهدف قد يكون أحيانًا أجمل من الهدف نفسه.

    كرةٌ تُدار كما تُبنى الحضارات العظيمة: بالعلم، والصبر، وتوزيع الأدوار، وتحويل التفاصيل الصغيرة إلى لوحة كاملة.

    لكن التاريخ لا يمنح كأس العالم.

    والعروبة لا تسجل الأهداف.

    والحنين إلى الأندلس لا يكفي للفوز.

    لقد فازت إسبانيا لأنها كانت جديرة بالفوز. شقت طريقها إلى النهائي، تجاوزت خصومها، ثم حسمت المباراة الكبرى أمام الأرجنتين، فرفعت الكأس باستحقاقٍ كامل؛ لا مجاملةً للتاريخ، ولا استجابةً لعاطفة العرب.

    وهنا تكمن روعة الحكاية.

    إسبانيا التي تحتفظ في الذاكرة العربية بمكانة لا تشبه سواها، عادت في عام 2026 لتتوج بطلةً للعالم. ففرح الإسبان بالكأس، وفرح العرب بمنتخبٍ أعاد إلى الذاكرة شيئًا من بلادٍ كانت ذات يوم واحدةً من أعظم صفحات الحضارة العربية.

    ليست عودة الأندلس؛ فالتاريخ لا يعود إلى الوراء.

    لكنها عودة الذكرى.

    وما أجمل أن يلتقي المجد الرياضي بذاكرة التاريخ؛ أن ترفع إسبانيا كأس العالم، فيما ترفع الأندلس في وجدان العرب كأس الذاكرة.

    مبروك لإسبانيا.

    مبروك لـ«لا روخا».

    ومبروك لكرة القدم؛ فقد فاز بها هذه المرة منتخبٌ عرف كيف يجعل من الكرة علمًا، ومن الملعب حضارة، ومن الانتصار قصيدة.

    أما العرب، فسيحتفلون قليلًا أكثر من غيرهم.

    ففي مكانٍ ما من القلب…

    لا تزال هناك أندلس.

    رفعت إسبانيا كأس العالم، وبقيت الأندلس ترفع كأس الذاكرة.