مكة.. حين يتغيّر شكل القوة

  • بتاريخ : أغسطس 8, 2026 - 7:21 م
  • عبدالمحسن محمد الحارثي

    لم يعد العالم الذي تشكّل بعد الحرب الباردة كما كان. لم يسقط القطب الواحد، لكنه لم يعد قادرًا وحده على ضبط إيقاع العالم؛ فالصين تتقدم، وروسيا تستعيد وزنها، والهند تصعد، وقوى إقليمية لم تعد تقبل أن تكون مجرد هوامش في خرائط الكبار.

    إنه انتقال هادئ، لكنه عميق: من عالم تقوده قوة واحدة، إلى عالم تتوزع فيه القوة بين مراكز متعددة.

    وفي قلب هذا التحول ؛ تأتي اتفاقية مكة الثلاثية بين السعودية وتركيا وباكستان ، لا باعتبارها إعلانًا لمحور معادٍ، ولا مقدمةً لحرب، وإنما بوصفها علامة على أن دولًا وازنة بدأت تعيد تعريف أمنها، بعيدًا عن الاتكاء على قوة واحدة.

    ثلاث دول بثقل مختلف: السعودية بثقلها السياسي والاقتصادي والجغرافي، وتركيا بقدرتها العسكرية والصناعية وموقعها الاستراتيجي، وباكستان بعمقها العسكري والجغرافي؛ يجمعها الردع وحماية المصالح.

    وهنا تتغير معادلة القوة.

    فالقوة لم تعد في السلاح وحده، بل في شبكة الشراكات التي تمنح الدولة أمنًا أوسع، وقرارًا أكثر استقلالًا، وهامشًا أكبر للمناورة.

    ولذلك قد لا يكون القادم «قطبًا جديدًا»، بقدر ما يكون شبكات قوة متقاطعة؛ تعاون في الدفاع، وشراكات في الاقتصاد، وتكامل في التقنية، دون ضرورة الانضمام إلى محور مغلق.

    لكن كل توازن يستدعي -في الغالب- محاولةً لموازنته.

    وهنا يبدأ الفرق بين الردع والمحاور.

    فالردع يرفع كلفة العدوان كي يمنعه، أما المحاور فقد تجعل الاستعداد للصدام جزءًا من بنية العلاقات الدولية.

    والأخطر أن المواجهة المباشرة بين القوى الكبرى أصبحت أكثر كلفة، ما قد يدفعها إلى أدوات أقل مباشرة: النفوذ، والعقوبات، والحرب السيبرانية، والمعلومات، والأطراف المحلية.
    أي: الحرب بالوكالة.

    قوة تدعم طرفًا، وأخرى تدعم خصمه؛ سلاح وتمويل ومعلومات وتدريب، بينما تبقى القوة الأصلية بعيدة عن ساحة النار.

    وهنا تكمن إحدى أخطر مفارقات المرحلة:

    قد تتعدد مراكز القوة، فتتعدد معها ساحات الصراع.

    وثمة مفارقة تاريخية أعمق: أن القوة المهيمنة قد تسهم -أحيانًا- في صناعة القوى التي ستزاحمها لاحقًا.

    فحين تُستخدم جماعة أو دولة أو قوة إقليمية لتحقيق هدف مرحلي، ثم يُغض الطرف عن تمددها وتراكم قوتها؛ قد تتحول الأداة إلى لاعب، والحليف المؤقت إلى منافس، والوكيل إلى صاحب قرار.

    ومن صنع قوةً لغيره، أو غض الطرف عن نموها ؛ قد يكتوي بنارها حين تستقل بإرادتها.

    ليس معنى ذلك أن قوة واحدة صنعت كل القوى الصاعدة؛ فالتاريخ أعقد من ذلك.
    لكن سياسات النفوذ والحروب غير المباشرة والتحالفات المؤقتة ؛ أسهمت في حالات عديدة، في خلق بيئات خرجت منها قوى لم تعد تقبل أن تبقى أدوات في يد أحد.

    وهنا قد تكون المفارقة الكبرى في نهاية عصر القطب الواحد:

    أن القوة التي استخدمت العالم لإدارة نفوذها، قد تجد نفسها أمام عالم أعاد توزيع القوة من خلال الأدوات التي صنعتها أو سمحت لها بالنمو.

    ومن هنا .. لا ينبغي قراءة اتفاقية مكة بعين الحرب، بل بعين الردع.

    فالتحالف الذي يمنع الاعتداء ليس تحالفًا للحرب، والقوة التي ترفع كلفة العدوان قد تكون إحدى أدوات السلام.

    وهذا ما يجعل التحرك السعودي جديرًا بالقراءة: أمن لا يُترك للصدفة، وشراكات لا تُبنى على العداء، وقوة لا تحتاج إلى استخدامها كي تثبت وجودها.

    فالعالم لا ينتقل من قطب إلى أقطاب فحسب؛ بل ينتقل من عصر كانت فيه القوى الكبرى تصنع النظام، إلى عصر تستطيع فيه القوى الصاعدة والمتوسطة أن تشارك في صناعته.

    وهذه فرصة بقدر ما هي امتحان.

    فإذا أنتج تعدد مراكز القوة توازنًا، واحترمت القوى سيادة الدول، وتكاملت المصالح بدل أن تتصارع ؛ فقد يكون العالم أمام نظام أكثر توازنًا.

    أما إذا تحولت التوازنات إلى محاور، والمحاور إلى وكلاء، والوكلاء إلى ساحات مفتوحة للصراع؛ فلن يكون العالم قد خرج من هيمنة القطب الواحد، بل انتقل إلى فوضى الأقطاب.

    وهنا لا يكون السؤال: من الأقوى؟

    بل: من يستطيع أن يصنع السلام من فائض القوة؟

    فالعالم لا يحتاج قطبًا واحدًا يحكمه، ولا قوى متعددة تتنازعه؛ بل يحتاج توازن قوة تحكمه القواعد، لا فوضى قوة تحكمها المصالح.

    ولعل مكة تفتح بابًا لهذه المرحلة: مرحلة تقول فيها الدول:

    لن نبحث عن الحرب، لكننا لن نترك أمننا رهينةً لقطب واحد.

    ويبقى السؤال الذي سيجيب عنه المستقبل:

    هل يكون تعدد مراكز القوة بدايةً لسلام أكثر توازنًا، أم بدايةً لعصرٍ تتقاتل فيه القوى بأيدي الوكلاء؟