بقلم: ابراهيم فاضل السفياني
في بعض حالات الفقد، تعجز الكلمات عن أداء واجبها، ويصبح الحديث عن الراحل أصعب من الصمت. كيف يمكن للمرء أن يرثي شابًا لم يتجاوز الخامسة والعشرين، وكان بالأمس بين أهله وأحبابه، ثم أصبح اليوم ذكرى تسكن القلوب؟
رحل ابن عمي عبدالله السفياني، المعروف بيننا بـ«مهند»، يوم الاثنين 19/4/1448هـ، عن عمر لم يتجاوز خمسةً وعشرين عامًا. رحل في عمرٍ كانت الحياة لا تزال تفتح أمامه أبوابها، وكانت الأحلام تنتظر منه المزيد.
لكن عزاءنا فيه أن بعض الناس، وإن قصرت أعمارهم، تطول آثارهم.
عرفنا مهندًا بحسن الخلق، وبقربه من الناس، وبحرصه على فعل الخير. لم يكن الخير عنده مناسبةً عابرة، ولا وسيلةً للحديث عن نفسه، بل كان سلوكًا يمارسه بهدوء، وكأن مساعدة الآخرين أمر طبيعي لا يحتاج إلى إعلان.
كان ينافس في أبواب الخير؛ في تقديم المساعدات، وتوزيع المياه، وتفطير الصائمين، وغيرها من الأعمال التي قد يعرفها الناس أو لا يعرفون عنها شيئًا. والأجمل في ذلك أنه كان حريصًا على ألا يُعرف ما يفعله، وكأن قيمة العمل عنده في نفع الإنسان، لا في معرفة الناس بصاحبه.
ومن المواقف التي عرفتُها عنه، وعرفتها من غيره، أنه كان يحرص على توفير البنزين للمنقطعين في الطرقات دون مقابل، وذلك في الفترة التي أُغلقت فيها محطة الشفا للصيانة، وبقيت مغلقة قرابة ثمانية أشهر، ولم تكن هناك محطة أخرى قريبة يعتمد عليها الناس. كان مهند يساعد من ينقطع به الطريق، ويوفر له حاجته دون أن ينتظر منه مالًا أو شكرًا أو حتى أن يعرف الناس أن مهندًا هو من قام بذلك.
وهنا أدركت أن بعض أعمال الخير أجمل ما فيها أنها تحدث بعيدًا عن الأضواء.
كان مهند كذلك بعيدًا عن الخلافات ونقل الكلام، متسامحًا مع الآخرين، لا يميل إلى الخصومة، ولا يجعل من اختلافه مع أحد سببًا لقطع الود. وهذه صفات قد تبدو بسيطة في ظاهرها، لكنها في زمن كثرت فيه الخصومات والكلمات المنقولة، تصبح من أجمل ما يتركه الإنسان خلفه.
وكانت له هواياته التي يحبها، ومن بينها شغفه باقتناء الدبابات، وهي جزء من شخصيته وذكرياته التي ستبقى في ذاكرة من عرفه.
وفي يوم رحيله، شهد جنازته جمع غفير، وكان ذلك المشهد مؤثرًا لكل من عرفه. لم يكن العدد هو ما يهم بقدر ما حمله ذلك الجمع من معنى؛ أن هذا الشاب الذي كان يمضي في حياته بهدوء، ويقدم الخير دون ضجيج، ترك في قلوب الناس أثرًا ظهر يوم وداعه.
لقد علّمنا مهند، دون أن يقصد، أن الإنسان لا يُقاس فقط بعدد سنوات عمره، وإنما بما يتركه من أثر في حياة الآخرين.
رحل مهند، وبقيت مواقفه.
رحل، وبقيت وجوه أناس ربما ساعدهم في طريق، أو أسعدهم بماء، أو أدخل السرور عليهم بمساعدة، أو أفطر صائمًا، أو أعان محتاجًا دون أن يعرف أحد.
ولعل أجمل ما يمكن أن نقوله في وداعه: إن أعمال الخير التي أخفاها عن الناس، نرجو أن تكون قد ظهرت له عند الله في الوقت الذي يحتاج فيه الإنسان إلى كل حسنة.
يا مهند، لم تكن نعلم أن بعض الأعمال التي كنت تحرص على إخفائها ستصبح بعد رحيلك من أجمل ما نتحدث به عنك.
نسأل الله أن يجعل ما قدمته من خير في ميزان حسناتك، وأن يجزيك عن كل محتاج أعنته، وكل عابر سبيل ساعدته، وكل صائم فطرته، وكل إنسان أدخلت السرور إلى قلبه خير الجزاء.
اللهم اغفر لعبدالله السفياني «مهند»، وارحمه رحمة واسعة، ونوّر قبره، وآنس وحشته، واجعل قبره روضة من رياض الجنة، وارفع درجته في المهديين، واخلفه في أهله وأحبابه بخير.
اللهم اربط على قلوب والديه وأهله وأقاربه ومحبيه، وألهمهم الصبر والسلوان، ولا تحرمهم أجره ولا تفتنهم بعده.
وسيظل اسم مهند حاضرًا في مجالسنا، وستبقى سيرته الطيبة تتردد بين من عرفه، وستبقى بعض أعماله الخفية شاهدًا على شابٍ عاش بين الناس بهدوء، ورحل عنهم تاركًا أثرًا أكبر من عمره.
رحمك الله يا مهند، وجعل ما أخفيته من خير ظاهرًا لك عند الله، وجمعنا بك في مستقر رحمته.









إرسال تعليق