شتاء الباحة والتنمية السياحية المستدامة

  • بتاريخ : يناير 9, 2026 - 10:05 ص
  • بقلم: د. سعيد بن عبدالله بن علي جفشر

    في اجواء احتفالية تعكس مكانة منطقة الباحة وما تمتلكه من مقومات طبيعية وسياحية وتنموية فريدة، دشن موسم شتاء الباحة برعاية كريمة من صاحب السمو الملكي الامير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، امير منطقة الباحة، ليشكل هذا التدشين محطة جديدة في مسيرة الحراك السياحي المتنامي الذي تشهده المنطقة. وتزامن ذلك مع تدشين سموه مركز التحكم والتدخل السريع بعقبة الباحة كاول مركز متكامل من نوعه في المملكة لادارة الطرق الجبلية، في خطوة نوعية تعكس حرص سموه على تعزيز السلامة، ورفع كفاءة البنية التحتية، ودعم التنمية الشاملة. وياتي اطلاق الموسم امتدادا للدعم المتواصل الذي يوليه سموه لقطاع السياحة، وترجمة لرؤيته الطموحة الهادفة الى ترسيخ مفهوم التنمية السياحية المستدامة، بوصفها مسارا استراتيجيا يستثمر تنوع الباحة الجغرافي والمناخي، ويعزز تكامل البنية التحتية والخدمات، ويبرز الهوية الثقافية والتراثية للمنطقة، بما يجعلها وجهة سياحية جاذبة على مدار العام، ومتوافقة مع مستهدفات رؤية المملكة 2030.

    ومن هذا المنطلق، تاتي هذه القراءة حول شتاء الباحة والتنمية السياحية المستدامة لتسلط الضوء على ملامح التجربة السياحية في المنطقة، وما تشهده من تحول نوعي يقوده نهج تنموي متكامل، يوازن بين الجذب السياحي، وجودة الحياة، واستدامة الموارد.
    لقد كانت وما زالت توجيهات سموه الكريم ترسم خارطة طريق لكل مهتم بالشأن السياحي في المنطقة، في السعي لتميز هذا القطاع الحيوي، قطاع السياحة، ليبلغ العالمية. وهنا اتذكر كلمات سموه الكريم في صيف الباحة الماضي حين قال:
    “السائح ضيف علينا وله الكرامة، ملزومون بخدمته والقيام بواجبه، ونتمنى له اقامة سعيدة.”

    هذه الكلمات المضيئة لسموه جسدت رؤية سموه الكريم تجاه السائح والزائر، وعكست نهجا اصيلا في الكرم ضيافة وخلقا للانسان في حله وترحاله في ربوع هذا الوطن العظيم. وانطلاقا من هذا المبدأ الانساني الراقي، انطلقت جهود منطقة الباحة نحو الارتقاء بمكانتها السياحية، ليس فقط بوصفها منطقة ذات طبيعة خلابة وتراث عريق، بل نموذجا يحتذى به في تحقيق مستهدفات رؤية المملكة 2030، تلك الرؤية المباركة التي يقودها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – وسمو ولي عهده الامين صاحب السمو الملكي الامير محمد بن سلمان بن عبدالعزيز آل سعود – حفظه الله – والرامية الى تنويع مصادر الدخل وتعظيم الاستفادة من المقومات التي تزخر بها المملكة في مختلف المناطق.

    ومن بين هذه المناطق المتالقة تتبوأ الباحة مكانة فريدة، حيث تتميز بتنوع جغرافي استثنائي اسهم في تنوع مناخها وتعدد بيئاتها الطبيعية، الامر الذي اكسبها حضورا سياحيا متناميا على مدار العام. فقبل اسابيع قليلة ودعت المنطقة موسمها الصيفي الحافل، الذي شهد كثافة كبيرة في عدد الزوار، وتنوعا غنيا في الفعاليات والبرامج والانشطة الثقافية والتراثية والترفيهية، التي عكست ما تتمتع به الباحة من مقومات فريدة وجاذبية نوعية.

    واليوم، وامتدادا لهذا الحراك السياحي المتواصل، وبتوجيهات كريمة من سموه الكريم، انطلق موسم الباحة الشتوي في المحافظات التهامية، حيث تتسارع الاستعدادات في منتزهاتها الطبيعية وقراها التراثية الاصيلة، وفي مقدمتها قرية ذي عين الاثرية؛ ذلك المعلم التاريخي الباهر الذي يجسد عمق الهوية المحلية ويعكس الارث العمراني العريق للمنطقة.

    وبهذا التكامل بين المواسم السياحية وترابط الجهود الرسمية والمجتمعية، تمضي الباحة نحو تحقيق نموذج مستدام للتنمية السياحية يعزز حضورها الوطني ويجعلها وجهة جاذبة طوال العام، مستنيرة في ذلك بتوجيهات سمو الامير الدكتور حسام بن سعود بن عبدالعزيز آل سعود، الذي يقود مسيرة تنموية طموحة جعلت من السياحة احد اعمدة التنمية المستدامة في المنطقة.

    لقد اولى سموه الكريم اهتماما بالغا بقطاع السياحة باعتباره احد الاذرع التنموية المهمة في المنطقة؛ فعمل على دعم البنية التحتية وتحفيز الاستثمار فيها، وتشجيع المستثمرين بما يحقق التنوع الاقتصادي ويرفع من مستوى الخدمات السياحية في المنطقة. ولم يغفل سموه الكريم اهمية الارشاد السياحي باعتباره عنصرا جوهريا في تكوين تجربة الزائر، حيث حرص على دعم المرشدين السياحيين للرفع من كفاءاتهم، وتهيئة البيئة المناسبة لهم لاداء دورهم في التعريف بتاريخ المنطقة وتراثها ومواقعها السياحية المتنوعة. كما كان لمبادرات سموه اثر بارز في تعزيز وجود المزارع السياحية والنزل الريفية والقرى التراثية والكهوف، باعتبارها انماطا سياحية اصيلة تعكس هوية المنطقة وتبرز ثراءها البيئي والزراعي والثقافي.

    واهتم سموه بدعم المواقع الاثرية والكهوف الطبيعية والزراعات النوعية التي اشتهرت بها الباحة منذ القدم، مثل الرمان والعنب والتين والتين الشوكي واللوز والبن والزيتون، باعتبارها جزءا اصيلا من هوية المنطقة الزراعية، وركنا مهما في اثراء التجربة السياحية.

    وفي اطار هذا الحراك التنموي المتكامل، شهدت منطقة الباحة مؤخرا خطوة نوعية تمثلت في توقيع تسعة عقود استثمارية زراعية كبرى بحضور سموه ومعالي وزير البيئة والمياه والزراعة، دعما للانتاج الزراعي وتعزيزا للشراكة مع القطاع الخاص ضمن مستهدفات رؤية 2030. وتضمنت هذه العقود انشاء مدن للبن في بلجرشي وقلوة بمساحات تتجاوز ثلاثة ملايين متر مربع لزراعة مئات الالاف من اشجار البن العربي، اضافة الى انشاء مدينة اللوز في محافظة المندق، ومشروعين للدواجن، ومشتل متقدم لانتاج شتلات الفاكهة. وتشكل هذه المشروعات رافدا اقتصاديا مهما يعزز الامن الغذائي، ويوفر فرص عمل واسعة، ويدعم السياحة الزراعية التي اصبحت عنصرا جاذبا لزوار المنطقة، الامر الذي يجعل الباحة نموذجا وطنيا رائدا يجمع بين التنمية الزراعية والسياحية في منظومة واحدة.

    كما التقى سموه مؤخرا بمقر اتحاد الغرف السعودية مع رجال الاعمال ورؤساء اللجان الوطنية ومجالس الاعمال الاجنبية، معلنا عن انشاء اول مجلس للاعمال الاستثماري بالباحة تحت مظلة الاتحاد. واكد سموه ان الباحة وجهة استثمارية واعدة، مشيرا الى الحراك التنموي السريع وفرص الاستثمار المستندة الى مقومات المنطقة الطبيعية والزراعية والسياحية والثقافية، ومبرزا مبادرة منتدى الباحة للاستثمار 2026 لدعم التنمية وجذب المزيد من الاستثمارات وفق رؤية 2030.

    كما لم يغفل سموه اهمية المحافظة على التراث المادي وغير المادي، وضرورة توثيقه وتفعيله في المشهد السياحي العام، بالاضافة الى العناية بالحرف اليدوية والحرفيين عبر اقامة الفعاليات وورش العمل، وفتح قنوات تسويقية تسهم في تمكينهم وتحقيق الاستدامة في هذا القطاع الحيوي.

    وحرص سموه الكريم على التواصل المستمر مع الجهات ذات العلاقة، والتنسيق بينها وبين الوزارات والهيئات الحكومية، بما يضمن تذليل العقبات وتحقيق الانسجام المؤسسي، وتهيئة البيئة الادارية والتنظيمية التي تخدم المواطنين والمستثمرين على حد سواء. ومن باب الذكر لا الحصر، فان من بين الجهود والمبادرات التي رعاها سموه، وجرت الاشارة اليها في وسائل الاعلام: دعمه لمهرجانات الباحة الموسمية، ورعايته لبرامج تاهيل المرشدين السياحيين، وافتتاحه العديد من المشاريع السياحية والتراثية، وحرصه على تطوير مطار الملك سعود، وتشجيعه للانشطة الزراعية ذات البعد السياحي، وتبنيه لمبادرات التشجير والحفاظ على البيئة الطبيعية.

    ويمتد البعد الانساني لسموه ليشكل ملامح واضحة في منهجه الاداري، حيث يحرص على تلمس احتياجات المواطنين في كل محافظات المنطقة، مستلهما ارث الخير الذي عرف به والده الملك سعود – رحمه الله – واجداده من آل سعود الكرام، الذين حملوا راية خدمة الوطن والمواطن جيلا بعد جيل.

    ومنذ توليه امارة منطقة الباحة، عمل سموه على تحويلها الى نموذج حقيقي للتنمية المستدامة والازدهار الشامل، من خلال دعم الاستثمار الصناعي، وتمكين القطاع غير الربحي، ومتابعة المشاريع الخدمية، وتكريم المتميزين، ودعم التعليم والصحة والرياضة والتنمية الاجتماعية، في نهج قيادي متكامل يسعى لابراز دور كل محافظة وكل فرد في بناء مستقبل المنطقة.

    ان ما سبق هو غيض من فيض من جهود سموه المتواصلة للارتقاء بمنطقة الباحة، تلك المنطقة الغالية التي حظيت – وما تزال – بعناية سموه واهتمامه، لتكون نموذجا سعوديا فريدا في السياحة المتكاملة والتنمية الزراعية والاقتصادية المستدامة.